هل أنت ضيف في المجلس؟

من منّا لم يقابل ذلك الحكيم الصامت؟ الذي يتأمل عميقًا وينصت كثيرًا، ولكنه إذا نطق أبهر السامعين بخبرته وأقنعهم بفكرته. أو على النقيض، من منّا لم يصادف ذلك الشخص كثير الكلام، الذي يدلي بدلوه في كل أمر، حتى وإن لم يفهمه؟

اختلاف شخصيات الأفراد، وتباين تجاربهم، وتنوع خبراتهم، يضفي قيمةً مهمةً حين يتداولون آراءهم في أمر من الأمور. وقد نرى هذا الاختلاف بين أعضاء مجلس الإدارة الواحد؛ فنجد الشخص المتفائل الباحث عن الفرص، وآخر حذرًا لا يرى إلا المخاطر. هذا التباين لا يُعد مقبولًا فحسب، بل شرطًا في مجالس الإدارة. فالأمر أشبه بفريق كرة القدم: هناك المهاجم الذي يسجل الأهداف، ولاعبو الوسط الذين يصنعونها، والمدافعون والحارس في الخلف، كلٌّ منهم يكمّل الآخر.
ومهما تكن شخصية العضو، فثمة سمات يجب أن تتوفر فيه ليؤدي واجبه المنوط به على أكمل وجه. وهذا ما تسلط عليه هذه المقالة الضوء.
وسواء كنت عضوًا مخضرمًا أم على مشارف أول عضوياتك، ستجد في هذه السمات ما يعينك في مهمتك في المجلس، بل وحتى في حياتك المهنية.

 

السؤال المناسب في الوقت المناسب

من يجلس على طاولة مجلس الإدارة يعلم أن الأرقام لا تكفي، وأن التقارير قد تُجمّل الحقائق أحيانًا. ففي المجالس، لا تُقاس الفاعلية بعدد الكلمات، ولا تُحتسب القيمة بعدد العضويات، بل تُقاس بنوعية الأسئلة التي تُطرح في اللحظة التي لا يجرؤ فيها كثيرون على الكلام.
لا نبالغ حين نقول إن العضو الفعّال هو من يُحسن قراءة ما بين السطور، ممسكًا بعدسة الخبرة ليرى ما لا يظهر على السطح. فواجب العضو لا يقتصر على التصويت بالموافقة أو الرفض، بل في طرح الأسئلة التي ترفع السقف وتحفز النقاش، تلك التي تنير زوايا مظلمة قد لا يراها الجميع.

 

الحدّة لا تتعارض مع الدبلوماسية

يظن كثيرون — ومنهم بعض الأعضاء — أن مهمة المجلس لا تدور إلا حول كلمتين: أوافق أو لا أوافق. لكن المجلس في جوهره هو عقل المؤسسة الأعلى؛ يستشرف المستقبل، يرى المخاطر، ويقتنص الفرص.
وللاضطلاع بهذه المهمة، يجب أن يكون ثاقبًا، حاد النظر. فإذا فقد حدّته، تفقد المؤسسة بوصلتها، حتى لو بدت الأرقام متزنة.
لكن الحدّة في النظر لا تعني الحدّة في القول أو الصراحة الجارحة. فطريقة إيصال الفكرة والنقد بأسلوب مقبول، مع الاعتراف بإمكانية الخطأ، مهارة لا غنى عنها لأي عضو، لئلا يتحول إلى خصم دائم من دون أن يشعر.
تعلمت هذا الدرس حين كنت عضوًا في أحد المجالس في منشأة كانت تعاني من ضعف مواكبتها للسوق. كنت حينها صريحًا، أطرح أسئلة غير مريحة، مما جعل البعض يراني تهديدًا، فلم تُجدّد عضويتي. لاحقًا، شارفت تلك المنشأة على الإفلاس.
العضو الفعّال هو من يستشرف عواقب القرارات، ويتجاوز لحظات النشوة والانبهار بنجاحات التقارير السنوية، ليتنبأ بمستقبل المؤسسة. أن تكون هذا العضو الفعّال ليس بالأمر السهل — لا على نفسك ولا على من حولك — لكنه غالبًا ما يكون ضروريًا، بل ومصيريًا.

 

هل أنت ضيف في المجلس؟

يرى بعض الأعضاء أن العضوية إنجاز بحد ذاتها؛ إنجاز يتيح لهم بعده الراحة، وأحيانًا الخمول. فتراهم يأتون إلى الاجتماعات كضيوف، يستمتعون بالنقاشات وتبادل الأحاديث، ولا يشاركون إلا نادرًا.
تتجلى هذه الظاهرة عند من يفتقرون للخبرة في مجال عمل المؤسسة، فلا يكلفون أنفسهم عناء التعلم أو طرح الأسئلة.
من واجب كل عضو أن يبذل جهدًا لفهم عمل المؤسسة: يقرأ ويتابع ويستعين بالخبراء، ويفحص التقارير بعين ناقدة ويضفي عليها مرئياته.
مجلس الإدارة ليس مجلس ضيافة، بل مجلس أمانة، والعمل بأمانة ليس دائمًا مريحًا.

 

ثمن الصمت الباهظ
من تجربتي، أسوأ ما قد يحدث في مجلس الإدارة ليس الخلاف، بل المجاملة. والمجاملة لا تقتصر على الثناء، بل قد تكون صمتًا، أو إيماءة، أو حتى تجنّبًا متعمّدًا.
كل قرار يتخذه المجلس له عواقب، وكل عضو يدرك ذلك. لكن حين يرى العواقب ويصمت احترامًا لمنصب أو انسجامًا مع الأغلبية، فذلك ليس نضجًا، بل تخلٍ عن الدور المنوط به.
الانضباط المؤسسي لا يعني التماهي، بل الجرأة المتزنة. وأن تكون “الشخص المختلف” أحيانًا لا يقل شرفًا عن أن تكون “صاحب الإجماع”.
من هنا، أيضًا تبرز أهمية العلاقة مع رئيس المجلس والرئيس التنفيذي للمنظمة؛ فعندما تُبنى على الشفافية والثقة المتبادلة، يصبح العمل أكثر سلاسة وفاعلية. علاقة تتجاوز التسلسل الهرمي، لتصبح شراكة حقيقية هدفها مصلحة المؤسسة.

 

الإفصاح عن تضارب المصالح ليس ترفًا 

حين تتعدد العضويات، وتتشابك المصالح، وتختلف الرؤى، لا تُعد الموضوعية ترفًا، بل أمانة وواجبًا. ليس العيب في أن تكون قريبًا من جهات مختلفة، بل العيب في إخفاء المصالح والتكتم على العلاقات التي قد تؤدي إلى نتائج وخيمة.
الإفصاح المسبق والشفافية لا يقلّلان من ثقة المجلس بك، بل يعززانها، ويجعلانك بمنأى عن سوء الظن والريبة.
تضارب المصالح ليس مشكلةً لا حل لها، وبمجرّد الكشف عنه، يخطو العضو أولى خطوات النزاهة، ويضع نفسه في موضع الشريك المسؤول؛ فالمسألة لا تقتصر على وجود المصلحة، بل في إدارتها علنًا وبحكمة.
المبادرة قبل الإشارة، والإبانة قبل المساءلة، تلك السمات التي يجب أن تتوفر في العضو في مثل هذه الظروف، ليُشرّح القرار في المكان الصحيح، فوق الطاولة، وعلى مرأى الجميع.

 

من أنت على الطاولة؟

قد تكون رجل أعمال ناجحًا، أو تنفيذيًا مخضرمًا، لكنك في المجلس لست ممثلًا لذاتك، بل أمينًا على منشأة.
اسمك لا يعني الكثير إن لم تضف قيمة.
فكّر مليًا: ما القيمة التي أضفتها لهذا الكرسي؟

 

الردود

  1. د.فيصل :

    كما عودتنا اخي الفاضل د.بدر

    تجمع بين المتناقضات لتطرح رؤية جديدة .. تفتح آفاقاً خلاقةً .. شخصية .. قيادية .. إبداعية؛ لنغدو ضيوفاً على مجالسك المفتوحه ..

    اتطلع للقاء شخصي بمكتبكم
    د.فيصل

  2. Mohamed Shalabi :

    نرفع لكم القبعات الست لدى بونو، لا أحد تقريبا يكتب لهذه الفئة؛ أعضاء مجالس إدارات الشركات.

  3. AHMED ALSAWFAN :

    أبدعت كعادتك و أتفق معك عندما يُدرك العضو رؤية المؤسسه / المنشأة و يجتهد في الإطلاع على التجارب المشابهه و إحتياج المستفيدين اعتقد سيكون إضافه فارقه في التطوير و إيجاد الحلول المبهره ومشاركته ستكون فاعله و لكن دعنا نكون أكثر شفافيه العضويات أصبحت ضيافه و بوفيه مفتوح و تشخيص و حشو للسيره مقابل الأثر و التغيير .. الصمت و تعلم ان ترحل قد تكون مجديه في بعض المواقف عندما يغيب التنظيم و الحوكمه و العمل المؤسسي .. دمت بود

  4. عبدالله العمري :

    حقيقه ماشاء الله تبارك الله لم يسبق لي أن قرأت أو سمعت أنجع من هذا الطرح هنيئا لك بتوفيق الله لك وهنيئا لك ثقه سموه ، سمو سيدي ولي العهد يحفظه الله في مسك ، فيظهر لنا من لقاء برنامج في الصوره ومايعلن عنها ، أن مسك لسمو سيدي بمثابه القلب له ونفعها ممتد ، شكرا لك أنت تثري أثرا سيبقى أثره وأجره لك باذن دنيا وأخرة فما بالك بالتفكر والتأمل والحمدلله بالأثر الأعظم لسموه الكريم ، طبت بود.

  5. بندر عاضه الشلوي :

    قرأتُها مرةً أخرى، فوجدتُ نفسي أمينًا على منشآتٍ ورسالة، وحيرتي ليست في القدرة… بل في:
    كيف أجد المخلص النزيه الذي يضيف، ومن يعينوننا على الأمانة؟

    الأمانة التي نخشى أمام الله أن نهدرها أو نحجبها، لا خوفًا من الفشل أو الخسارة، بل حفاظًا على المظلة التي بنيناها لمن يحتاجونها من مستفيدينا.

    نسأل الله أن يرزقنا الحكمة والبصيرة والرشاد في اختيار الصالح، والأصلح، والمصلح للصالح العام.

    نذرتُ نفسي جنديًا لله، ثم لعزّة راية التوحيد، من خلال القطاع غير الربحي، لصالح وطني بنفع متعدي ومستدام بغد توفيق الله.
    وسأعمل للإسهام في تحقيق رؤية 2030 من خلال الابتكار الاقتصادي التنموي.
    بالله استعنا، وإليه أنبنا، والله ولينا ومولانا.

    شكرًا لمقالتك العميقة، ذات الأثر الأعمق في بيان أدوار المجالس؛
    ليعي كل مسؤول أن قراراته إمّا أن تكون واضحة فترتقي، أو مخفية فتهوي.

    — النفع العام —

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.