لنا في التدوين حياة

تدوين التجارب

ماذا لو كان بمقدرتك أن تحيي تجاربك لتعيشها مرة أخرى بكل تفاصيلها وذكرياتها ومشاعرها؟

أؤمن بأن لكل شخص منا تجربة فريدة تستحق التدوين. وعند تدوين هذه القصص نحن نخلدها، ونسمح لأنفسنا أن نعيشها متى ما أردنا. قد نحكي تجاربنا وقصصنا من وقت لآخر ونتبادلها مع المقربين. ولكن مع مرور الوقت ستتلاشى، ويدفن أثرها إذا لم تدون. والأسوأ من ذلك هو عندما ننسى نحن أصحاب التجربة تلك القصة. العديد من القادة علمونا وألهمونا لأنهم وثقوا تجاربهم. وبالمقابل هناك الكثير من التجارب العظيمة التي لم تصل إلينا لأنها لم توثق.

بالتدوين أنت لا تشارك تجربتك فقط لنشر الفائدة وصنع التغيير، بل تلهم الآخرين للانفتاح والتعبير ومشاركة تجاربهم

قبل أسبوع، كنت أتبادل الحديث مع الجمهور عن تجربتي الشخصية كمدون. كان ذلك في ندوة من ندوات معرض الكتاب بعنوان (تدوين التجارب والخبرات). وأخبرتني إحدى الحاضرات بأن ما ناقشناه حول التدوين أشعل حماسها، وألهمها للعودة للتدوين بعد أن انقطعت عنه لفترة طويلة. ومن هنا جاءت رغبتي في كتابة هذه المدونة لعلها تلهمك أيضًا لتدوين تجربتك.

  في مقالي هذا أطرح عدة تساؤلات عن التدوين وأجيب عليها من تجربتي الشخصية كمدون لخبراتي وتجاربي القيادية

ما هو التدوين؟ 

التدوين نوعين عام وخاص.

الخاص يتضمن تدوين أفكارك وتجاربك الشخصية. والاحتفاظ بها دون نشرها وهو طريقة فعالة للغوص في أعماق نفسك وسماع صوت أفكارك. ويعتبر مساحة تعبر بها بأي صوت ترغب، كما يساعدك أيضًا على مواجهة نفسك وفهمها.

 أما التدوين العام هو عبارة عن توثيق تجاربك وخبراتك وآرائك. والمعلومات التي تعتقد أنها تستحق المشاركة على منصات مختلفة. وهذا النوع من التدوين له فوائد عدة منها أنه يساعدك على صناعة القرار والتحقق من سلامته، حيث يتيح لك النظر من منظور الشخص المتلقي للقرار من خلال تعليقات القراء وتفاعلهم.

ماذا علمني التدوين؟

التدوين أكثر من مجرد توثيق ليومياتك. فهو مساحة تتعلم من خلالها دروس مهمة تصقل شخصيتك. مما يجعلك قادر على التعامل مع أمور حياتك من منظور مختلف. ومن تجربتي الشخصية وعلاقتي الطويلة مع التدوين فإنه ساعدني على ما يلي :

التحليل والمراقبة

يعلمك توثيق التجارب أن تكون أكثر مراقبة وعمقًا في تحليل العوامل والظروف التي شكلت رحلتك. بالإضافة إلى التأمل في تجربتك ومراجعة أفكارك، وإعادة النظر في مواقفك بحيث يوفر لك نظرة أكثر عمقًا. أذكر أنني مررت بموقف كتبت عنه تدوينة بعنوان  كيف تتجنب خداع نفسك؟  ساعدني على تأمل معنى خداع النفس ومراجعة تصرفي. كنت في أحد الأيام في طريقي إلى مكتبي وناداني أحدهم بأسلوب لم أعتد عليه. ولاستعجالي في اللحاق بالاجتماع طلبت منه أن ينتظرني في الاستقبال بحدة. وبعد أن راجعت نفسي أدركت أنني خدعتها وبررت لها مخالفة آية كريمة وهي ” وأما السائل فلا تنهر”. وقررت أن أدون عن هذا الموقف مما جعلني أتفهم أبعاده وأحاسب نفسي بشكل عميق.

التعامل مع مشاعرك الإنسانية

ساعدني التدوين على التعامل مع الكثير من المشاعر الصعبة، مثل التعايش مع فكرة الفراق أو الحزن أو الحيرة أمام موقف ما أو استشعار مدى صعوبة ما أمر به ومحاولة ترتيب الأفكار حياله. من المواقف التي ساعدني التدوين على التعامل معها فقدان خالتي الوحيدة عندما كتبت في رثائها ودونت بعض مشاعري حيال فقدها في مدونة ترجع إنسانًا حينما تفقد إنسانًا، بالتدوين عن ذلك، استشعرت ألمي وتعاملت معه وعبرت بكلمات أطلقت معها المشاعر التي احتبست في داخلك.

تقبل النقد والتعامل مع شخصيات مختلفة

سيعلمك التدوين كيف تتقبل النقد بتواضع وثقة تامة. وكيف تتجاهل التعليقات السلبية والنقد الهدام، فليس كل التعليقات إيجابية وليست كل الردود داعمة. قد تصلك ردود وسلوكيات في غاية اللؤم والغرابة لا تواجهها في حياتك الواقعية.

يساعدك التدوين على بناء علاقات مميزة

يساعدك التدوين على بناء وتطوير علاقات مميزة عبر الإنترنت. وخلق محادثات ذات قيمة بينك وبين الآخرين وكسر حواجز العزلة والتعرف على أشخاص يشاركونك نفس الاهتمامات.

الأصالة

أحد الأشياء التي تعلمتها على مدار سنوات من كتابة التجارب هو أن الصدق أهم ما يميز المدون، إلى جانب الأمانة في النقل والتعبير وطرح الآراء. قد تتعرض للهجوم بسبب صدقك، ولكن هذا ما سيبني سمعتك كمدون جدير بالثقة والاحترام. 

التحفيز المستمر

يمدك التدوين بطاقة إيجابية هائلة، لأنه يساعدك على إطلاق مشاعرك كلها سواء سلبية أو إيجابية مما يجعلك في حالة تحفيز مستمر

لماذا يجب أن ندون التجارب القيادية في هذه المرحلة الاستثنائية التي تعيشها المملكة؟

 مهما قرأنا لمؤلفين عالميين لا يوجد مثل التجارب المحلية التي يخطها أبناء البلد بأقلامهم. كل قائد له تحدياته الخاصة ويمر بتجربة لا يعرفها الآخرون. ومشاركة هذه التجارب يشكل مراجع ثرية للمهتمين والدارسين. كما يفيد في خلق حوارات ثرية حولها. علاوة على أن هذه المرحلة الاستثنائية في تاريخ بلادنا قصة تستحق أن تدون للأجيال القادمة.

ومن النماذج القيادية السعودية التي اهتمت بتوثيق تجاربها وأثرت بشكل كبير على القراء د. غازي القصيبي -رحمه الله- في مجموعة من الكتب من أهمها كتاب (حياة في الإدارة). أيضًا سمو الأمير خالد الفيصل في كتابه (مسافة التنمية وشاهد عيان) الذي قدم فيه رؤية متكاملة لمشكلة التنمية.  تأثرت شخصيًا بهذه الكتب ومن هذا المنطلق جاءت رغبتي بتأليف كتاب أجمع فيه خبراتي وتجاربي القيادية لمشاركة المعارف ونشر الفائدة لأكبر عدد من الأشخاص فألفت كتابي “سيرة غير ذاتية” الذي دونت وجمعت فيه بعض تجاربي الإدارية وكتبتها بلغة واضحة وسهلة حتى يجد القارئ نفسه في سطور الكتاب ويعتبره سيرة ذاتية له هو أيضًا.

 أخيرًا، لكل من يقرأ مقالي أقول، تجاربك تستحق أن تدون وتنشر، فكل تجربة إنسانية تحمل دروسًا وعبرًا مميزة. لا تضع بينك وبين التدوين أي عوائق وشكوك مثل من سيقرأ لي؟ أو لا أعرف من أين أبدأ! اكتب وشارك الناس تجاربك وخبراتك لعلك أشعلت شمعة في طريق أحدهم أو أيقظت شغفًا وجد بين سطورك فرصة للانطلاق.

الردود

  1. عبدالمجيد سليمان النجار :

    لم أقرأ مقال أكثر من مرة وبهذه الدقة من قبل ربما لأنه لامس عشقاً قديماً

    وربما لأنني كنت أفتخر بأني حريص على قلمي وأوراقي في كل لقاء أو اجتماع أدون قبلها وأثناءئها حتى أصبح لدي نمور ورقية وليس نمراً واحداً

    عشقاً تراجع خلال السنوات القليلة الماضية لدرجة أني أحياناً اضطر إلى استلاف ورق من المكان الذي أنا فيه أو أدون على المناديل التي توضع على الطاولات في المقاهي التي ارتادها

    مقال رائع يجعلني أردد بيت الشعر هذا ببتصرف
    (أعاد لي الشوق القديم ولم أكن
    سلوت ولكن زاد عشقاً على عشقي)

    روعة المقال ليس فقط لأنه يُشير لأهمية التدوين كغاية بحد ذاته بل أنه يرتقي به كوسيلة تعزز مهارات وقدرات شخصية وتطورها وتجعل منه أحدث إصدار لجيل من التدوين _G5 أو أعلى_ ليواكب عصر المعرفة

    وكما أشرت سعادتك عن نوعين من التدوين
    هناك علاقة بين التدوين والصفاء الذهني وترتيب الأفكار على المستوى الخاص وهذه نعمة لها ثمراتها الايجابية على المهارات والقدرات وحتى المشاعر وتعتبر قاعدة للتدوين في النوع الثاني على المستوى العام الذي له ثماره أيضاً

    ليجتمع في التدوين فضلين ينعم بها “المدون” كما أشرت أنت في مقالك الرائع:

    “بالتدوين أنت لا تشارك تجربتك فقط لنشر الفائدة وصنع التغيير، بل تلهم الآخرين للانفتاح والتعبير ومشاركة تجاربهم”

    شكراً على هذا المقال الملهم والمحفز

  2. Hadi AlAli :

    بلاشك اخي د.بدر يملك وضوح في التفكير وسلاسة في السرد مما يجعل مدوناته جذابه ومحفزة للاخرين

    بارك الله فيك

    • Mema :

      شكرا على هذا المقال المحفز والجميل
      بالنسبه لي شخصيا التدوين ورصد الأحداث والمواقف لي ساعدني في اكتشاف نفسي ومشاعري واكتشاف نقاط ضعفي وقوتي وشغفي ومهاراتي لما يجعل من هذه المواقف تدون وترتب أفكارها ومن ثم إلقاء نظره و تحليلها لإعطاء مجال للادراك والقراءه والفهم والتحليل تصفية للذهن من التشتت ومن بعدها يبدا الانتقال لمراحل أخرى لهذه المواقف ونقطة تحول بجعلها تكون ذات قيمه ومرتبه ليظهر بها ابداع اتقان واجادة
      سواء كان تدوين عاما او خاصا

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.